|
الربيع العربي نحو آلية تحليلية لأسباب النجاح و الفشل خير الدين حسيب مفكر عربي و رئيس مجلة أمناء ورئيس اللجنة التنفيذية لمركز دراسات الوحدة العربية مقدمة كنت قد كتبت افتتاحية للمستقبل العربي في شهر نيسان / ابريل من العام الماضي، حيث عمدت إلى استخلاص الدروس الرئيسة من الحركات الاجتماعية الواسعة النطاق التي كانت تتبلور في الوطن العربي و التغييرات التي كانت ترسم حينها.أما اليوم فيبدو انه ثمة حاجة إلى إعادة النظر في تلك الأحداث بطريقة تحليلية من اجل تفسير مختلف التطورات التي تشهدها المنطقة و إيضاح نتائج الربيع العربي،علما أن الهدف من وراء هذا هو وضع فرضية تعني بتفسير سبب نجاح بعض الانتفاضات في إسقاط أنظمتها ،كمصر و تونس،و فشل المحاولات الأخرى ،فاني انوي تبيان مدى قابلية تطبيق نموذج التسوية في اليمن - مع بعض التعديلات أو الاختلافات البسيطة – على مناطق أخرى من الوطن العربي حيث تأججت فيها الانتفاضات أو من المحتمل لها أن تشتعل في المستقبل. يتمحور حذا التحليل حول التئام أربعة عناصر أو شروط أساسية أو مسببات لقيام الانتفاضات، التي نجح توفرها جميعا في تغير أنظمة وإحداث تحولات جذرية في بلدين عربيين على الأقل. يمكن لهذه العوامل الأربعة أن تستخدم كمعايير تحليلية لتقدير لماذا لم تنجح بعض الانتفاضات في البلدان العربية من إسقاط أنظمتها،و مدى إمكانية قيام انتفاضات مدنية شعبية أخرى ،أو لا استخدامها كمؤشرات يمكن لها توقع حصول بعض النتائج المعينة .وبالتالي سوف اسعي في هذه الورقة إلى تحليل هذه العناصر في إطار الانتفاضات و الثورات الحاصلة في الوطن العربي،بالإضافة إلى عرض أثارها في عدد من الأنظمة العربية كتونس و مصر،و اليمن،و البحرين،و ليبيا،و سورية-مع التعليق على بلدان عربية أخرى،و إضافة بعض الملاحظات حول الربيع العربي القائم.
و قبل تحديد العناصر الأربعة أو الشروط التي يمكن اعتبارها معايير تحليلية موضوعية لتقييم احتمالات التغيير،بما فيهمن إسقاط بعض الأنظمة العربية الدكتاتورية وإطاحة الطغاة ، ينبغي لفت النظر إلى انه في إطار هذا التحليل تعمل هذه المعايير كمجموعة متكاملة،أي أن تزامن هذه العناصر الأربعة و التقاءها سويا يؤثر مباشرة في احتمال قيام عمل اجتماعي شعبي يهدف الى التغيير ،بينما يحول غياب اي من تلك العناصر دون تحقيق ذلك.أو على الأقل يقلل من احتمال قيام عمل اجتماعي شعبي يهدف إلى التغيير،بينما يحول غياب أي من تلك العناصر دون تحقيق ذلك،أو على الأقل يقلل من احتمال تحققه.و هذه العناصر أو الشروط الأربعة هي: أولا، ينبغي أساسا كسر"حاجز الخوف السيكولوجي " حيث ان عامل الخوف لطالما قيد الحركات الشعبية وصرفها عن محاولة التمرد،رغم الظروف القاسية التي كان يعيشها الشعب و الظلم الذي يتعرض له و يعانيه،آي رغم توفر المبررات التي تدعوه إلى التمرد ،ثانيا ،يجب على الثورة أو الانتفاضة أن تكون ذات طبيعة سليمة،خاصة و أن إمكانياتها لا تقارن بالجمهورية الأمنية،العسكرية لقوى النظام على الأغلب ،ولان لجوئها للسبل العنيفة في الدفاع عن ذاتها سيقدم تبريرا للنظام الحاكم باستخدام كافة السبل المتاحة لقمع الثورات أو سحقها،ثالثا ،ينبغي أن يكون هناك حد ادني من التماسك الاجتماعي و مشاعر مشتركة للوحدة الوطنية بين مختلف مكونات المجتمع لكي لا تؤثر الفرو قات الدينية و الطائفية أو العرقية –في حال وجودها أو استمرارها –في إضعاف حركات مقاومة النظام و إفشال المقاومة الشعبية، رابعا،و هو العامل الأهم فيما لو توفرت جميع الشروط أعلاه،موقف الجيش أو القوات المسلحة من التمرد الشعبي المدني بحيث انه إذا كان داعما للحركات الشعبية ،او على الأقل وقف موقف بحيث انه إذا كان داعما للحركات الشعبي،أو على الأقل وقف موقفا حياديا منها،فثمة فرصة اكبر لنجاح الثورة ،بينما إذا ما تبنى الجيش موقف النظام الحاكم،فسوف ينزل خسائر جمة في صفوف المتظاهرين ،و سوف ينعكس ذلك مباشرة على نتائج الانتفاضات . ان تطبيق هذه العوامل و المعايير الأربعة يساعدنا على فهم النتائج المختلفة للربيع العربي حتى الآن ،فبينما سجلت كل من تونس و مصر نتائج ايجابية لثورتها ،لم ينعكس الوضع كذلك على ليبيا ،و البحرين ،و اليمن والسورية ،و عمان. أولا:تونس:نموذج اجتمعت فيه كافة العوامل الأربعة اجتمعت العناصر الأربعة أعلاه في تونس،حيث انق يلم البائع المتجول محمد بوعزيزي بإضرام النار في نفسه أشعل نار الثورة في التونسيين جميعا ،و حملهم على كسر حاجز الخوف .من الناحية الديموغرافية ،فان المجتمع التونسي مجتمع متجانس بحيث أن كل أبناء المجتمع تقريبا هم مسلمون،ينتمون إلى المذهب المالكي ،و الطبقة الوسطى تشكل حوالي 50 بالمائة من عدد السكان . وقد شارك في الثورة كافة مكونات المجتمع بما فيه من متعلمين و نقابيين و شباب وغيرهم.كما بدأت الانتفاضة سليمة ،و استمرت كذلك ،رغم تعرضها لبعض المحاولات القمعية على يد النظام .أما الجيش التونسي التونسي فلم يكن يتمتع بتجهيزات عسكرية كبيرة و يبقى على حياد طوال فترة الثورة.و بالتالي يمكن القول ان العوامل الأربعة التي سبق ذكرها اجتمعت في تونس لتسهيل الثورة و إسقاط نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي،و حملته على اللجوء السياسي الى العربية السعودية. من ناحية أخرى ،و إلى جانب دور تلك العوامل في إنجاح الثورة في تونس،فان توفرها سهل في الواقع العملية الانتقالية لمرحلة ما بعد إسقاط النظام ،بحيث جرى انتخاب المجلس التأسيسي وفقا لانتخابات ديمقراطية حرة بتاريخ 23 أكتوبر 2011 ،وتم تشكيل حكومة ائتلاف وطني و انتخاب رئيس جمهورية مؤقت للمرحلة الانتقالية .و ذلك ان المجلس التأسيسي سيقوم بصياغة مسودة دستور جديد يخضع للاستفتاء الشعبي و إجراء انتخابات برلمانية جديدة في تونس خلال سنة.و هكذا ،عادة سيادة القانون و النظام في تونس إلى حد كبير، ولا تزال الثورة تفي بوعودها من ناحية احترام حقوق الإنسان و تعزيز الممارسات الديمقراطية .ويمكن القول إذا،أن تونس استطاعت أن تقدم نموذجا يحتذى به بدا من ثورتها الناجحة و وصولا إلى الفترة الانتقالية التي تلتها من حيث إحلال ديمقراطية حقة حتى الآن.أما التحدي الأول الذي يواجه المرحلة الآنية في تونس فهو يتعلق بالجانب الاقتصادي ،حيث أن الظروف والمشاكل التي تعرضت لها تونس تستوجب حلولا طويلة الأمد،في حين أن الأوضاع الاقتصادية الراهنة في تونس تحتاج حلولا سريعة و دعما اقتصاديا و ماليا من الأنظمة العربية و المجتمع الدولي ،الأمر الذي يحتاج إلى بعض الوقت لتحقيقه.
ثانيا: مصر:نموذج اجتمعت فيه كافة العوامل الأربعة و إنما على نطاق أوسع و أكثر تعقيدا في مصر، كانت ثورة تونس هي من شجع المصريين على "كسر حاجز خوفهم ".أما الاختلافات الدينية و الطائفية فلم تكن ذات أهمية،كما لم تكن ضمن الخلافات السياسية في تاريخ مصر الحديث و المعاصر ،و بالتالي شارك المسلمون والمسيحيون على حد السواء في الانتفاضات في ساحة التحرير و منذ بدايتها .و تماما كما النموذج التونسي ،بقيت الحركات التظاهرية ذات طابع سلمي ،رغم الممارسات العدائية للقوات الأمنية التابعة للرئيس المخلوع. كما بقي الجيش المصري على حياد في بادئ الأمر،و رفض قمع المتظاهرين بالقوة قبل أن يبدل موقفه في مرحلة لاحقة و ينضم الى طرف المتظاهرين سياسيا.ان التقاء هذه العناصر ساهم في إسقاط نظام الرئيس السابق حسني مبارك في خلال 17 يوم فحسب .و على الرغم من حجم البلاد وسكانها ،استطاعت "ام الدنيا"اكبر الدول العربية ديمغرافيا ،إحداث تغيرات جذرية ،الأمر الذي يستحق الثناء .فإذا كانت تونس قد قدمت لنا نموذج ناجحا لالتقاء العناصر الأربعة المسببة لتغيير فان تجربة مصر أثبتته لنا على نطاق أوسع. خلال الفترة الانتقالية لمصر،قامت انتخابات حرة ديمقراطية لمجلس الشعب و مجلس الشورى ،و هما المسؤولان عن انتخاب لجنة مؤلفة من 100 عضو في المستقبل القريب لصياغة دستور جديد للبلاد.و تمهيدا لقيام الانتخابات الرئاسية في شهر مايو 2012 تمت دعوة المرشحين لتقديم طلباتهم ،حيث من المفترض أن يقوم حينها المجلس الأعلى للقوات المسلحة بتسليم زمام السلطة إلى كل من الرئيس المنتخب و إلى مجلسي الشعب والشورى. وعلى الرغم من أن المرحلة الانتقالية في مصر لم تكن سهلة ،بسبب الحجم الجغرافي و الديمغرافي لمصر،إلى جانب أسباب أخرى،فانه يبدو أن العقبات و العوائق التي تعرضت لها البلاد أخذت بالضمور و التلاشي، و من المتوقع أن تنجح الثورة في تخطي تحديات المرحلة الحالية.و لكن في الوقت الحالي ،ثمة ثلاثة تحديات على الأقل قد تعترض مسار تشكل الحكومة المصرية القادمة في نهاية المرحلة الانتقالية في يونيو 2012،و هي :1: حزب النور السلفي المتشدد الذي حاز على نسبة 20بالمئة من مقاعد مجلس الشعب،2: مصير المعاهدة المصرية -الإسرائيلية ،3: و مشكلة الظروف الاقتصادية المصرية الصعبة و الحاجة إلى معالجات سريعة لا يبدو إنها متوفرة او ستتوفر بسهولة .بالطبع في الوقت الحالي،لا نزال نترقب الى اي مدى سوف ينجح النظام الجديد في حل هذه المعضلات،أو ماهي الاستراتجيات التي سوف يتبعها من اجل ذلك؟ و كيف ستقوم الحكومة الجديدة بتقليص أو حسم دور الجيش المصري في الحياة السياسية ،أو في إعادة النظر و تصحيح موضوع الامتيازات الاقتصادية و غيرها من الفوائد و المنح التي كان يتمتع بها ضباط الجيش أثناء حكم مبارك. ثالثا :اليمن:ثلاثة عوامل من أصل أربعة وصفقة فاوستية؟ نجحت الجماهير في اليمن في كسر حاجز الخوف عندما بدأت الاحتجاجات في التشكل في عدد من المدن الرئيسية أولا في يناير 2011 ،قبل أن تنتقل الاحتجاجات إلى العاصمة صنعاء،حيث عدد قليل من اليمنيين يؤيدون الرئيس علي عبد الله صالح.و على الرغم من لجوء النظام للعنف في قمعه للمظاهرات ،و قتله 3 متظاهرين في إحداهما ،اتصفت المظاهرات بالطبيعة السليمة،و تضمنت شعارات مختلفة ،منها "جمعة الغضب" في 18 فبراير في تعز و صنعاء و عدن،و جمعة اللاعودة" في 11 مارس 2011على سبيل المثال.و لكن الوضع انفجر في العاصمة صنعاء عندما أطلقت القوات الحكومية النار على المتظاهرين في 18 مارس مسفرة عن مقتل 52 شخصا،الأمر الذي حث عددا من أعضاء القوات المسلحة إلى انضمام إلى صفوف المتظاهرين .وعلى الرغم من ذلك ن بقي الجيش بشكل عام تابعا لنظام علي عبد الله صالح،خاصة و هو قائد الجيش إلى جانب أولاده و أقربائه –باستثناء احد فصائل الذي انشق عنه. و قد حاول مجلس التعاون الخليجي الاتفاق مع الرئيس السابق للقيام بنقل السلطة بشكل سلمي،و قدم مبادرة لهذا الغرض،و لكن صالحا رفض توقيع الاتفاق 23 مايو الأمر الذي جعل احد مؤيديه الرئيسين،شيخ صادق الأحمر ،ينقلب ضده في 3 يونيو،كما تعرض الرئيس صالح إلى إصابة بالغة جراء انفجار وقع في قصره و نقل على إثرها إلى العربية السعودية لتلقى العلاج.و أخيرا لدى عودته،وافق الرئيس اليمني على توقيع اتفاق مجلس تعاون دول الخليج في 23 يناير 2012الذي يقضي بتسليم السلطة لنائب الرئيس،عبد ربه منصور الهادي،مقابل حصوله ،وأولاده و أقربائه و جميع من عمل معه خلال 33 عاما من رئاسته،على حصانة من الملاحقة القانونية أو القضائية .لذا اقر البرلمان اليمني مشروع قانون يمنح الرئيس السابق حصانة كاملة من الملاحقة بناء على الاتفاق الموقع ،على الرغم من ردود فعل واسعة للشعب اليمني اعتراضا على هذا القانون .و في 21فبراير2012،بعد فوز الهادي بنسبة 99.8 بالمائة من أصوات الناخبين ،كونه المرشح التوافقي الوحيد للرئاسة ،تسلم مقاليد الرئاسة اليمنية لمدة سنتين فقط،تليها انتخابات برلمانية ،ثم الانتخابات الرئاسية الحرة. لذا نرى أن حالة اليمن مختلفة عن مثيلاتها ،و تغيير النظام الذي حصل فيها ،إذا أمكن اعتباره كذلك ،لا يخلو من الالتباس و الريبة .من ناحية أخرى ،لم تجتمع إلا ثلاثة عوامل من أصل أربعة في حالة اليمن ،وبالتالي فان غياب عنصر دعم الجيش للثروة لعب دورا حاسما ،و حال دون تحقيق هدف الثورة في إسقاط النظام .كما كان موقف الولايات المتحدة الأمريكية و العربية السعودية من الثورة بالغ الأهمية، فكلاهما لم يكن يريد فوزا صريحا لقوى المعارضة على النظام، الأمر الذي يمكن أن يحمل إحراجا للأنظمة الخليجية نفسها،و هو يسلط الضوء على السبب الذي أرغم في نهاية المطاف،حركة المعارضة الرئيسية "اللقاء المشترك" على الموافقة على تسوية مبادرة مجلس التعاون الخليجي. رابعا:ليبيا: سفك دماء و توفر عامل واحد من أصل أربعة على عكس تونس و مصر،فان الربيع العربي أدى إلى مجموعة النتائج الدموية المختلفة كليا عن سابقاتها من التجارب في حالة ليبيا .حيث يمكن القول أن معظم الشعب الليبي من المسلمين الذين ينتمون إلى المذهب المالكي كما في تونس، باستثناء أقلية من الامازيغين التابعين للمذهب الاباضي،ولكن المجتمع مع ذلك لم يكن متماسكا لوجود انشقاقات و اختلافات قبلية و عشائرية ومناطقية ،على الرغم من قيام تحالفات قبلية على مر التاريخ خففت من وطأة هذه الفروقات إلى حد ما .و في فبراير 2011،كسر الليبيون في بنغازي حاجز الخوف،ثم تبعهم أبناء بعض المدن الرئيسية الأخرى،و لكن في المرحلة الأولى من الثورة غاب عامل الإجماع و التوافق الوطني النسبي على إطاحة النظام ،و ذلك لوجود عدد كبير من المجموعات القبلية الموالية و المؤيدة لنظام القذافي كقبيلة ورفلة و ترهونة و الاصابعة و الصعيان ، بالإضافة إلى قبيلة القذاذفة في العاصمة طرابلس ،و مدينة سرت وغيرها من المناطق الأخرى. وكذالك على خلاف ظروف الثورة في تونس و مصر، سريعا ما أصبحت الانتفاضة في ليبيا عنيفة ،و شرسة، لقيام القذافي بتوزيع عناصر مسلحة من الليبيين المؤيدين لنظامه يعملون وفقا "لإستراتجية" ثورة مضادة من جانب آخر، كان عدم التوازن ملحوظا بين الإمكانيات العسكرية لقوات المعارضة و تلك التابعة للنظام، وفي تحليل نهائي لوقع النزاع في ليبيا،أثبتت قوات الجيش عن انقسام داخلي ،حيث قام العديد من عناصره بالانسحاب من النزاع و تخلفوا عن خدمتهم للجيش، باستثناء كتائب القذافي التي لم يتخلف احد من عناصرها، و دافعت عن القذافي و نظامه. كما شهد الجيش انشقاقات لعناصر رفيعة المستوى في الجيش الليبي كانشقاق اللواء عبد الفتاح يونس. و مع مرور الوقت ازدادت أعداد كتائب الجيش المنضمة إلى القوات المعارضة للنظام. والجدير بالذكر، ان القوات الجوية الليبية النظامية بقيت معطلة نسبيا لرفض الطيران الحربيين تنفيذ مهام ضد الثوار ،مما ألزم القذافي اللجوء إلى استدعاء طيارين أجانب والاعتماد على قواته الخاصة. وبالتالي لا يمكن القول عامل عدم التدخل الجيش أو القوات المسلحة بشكل عام، وهو العامل الرابع في هذا المقال متوفر في الحالة الليبية، وذلك لخوض أعداد كبيرة من القوات المسلحة في اشتباكات ميدانية بين موال للنظام و معارض له. ولكن تدخل حلف الشمال الأطلسي (الناتو) وبما وفرته للانتفاضة من مستشارين عسكريين و إمكانات لوجستية وفرضها منطقة حظر جوي ارسي التوازن بشكل حاسم وغير الواقع الميداني مباشرة لصالح الثوار، الأمر الذي أدى إلى إطاحة النظام. حيث يمكن القول ببساطة انم صداقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على القرار رقم 1973 في17 مارس 2011، الناجم عن دعوة مجلس التعاون الخليجي في 7 مارس، بالإضافة إلى دعوة الجامعة العربية في 12 مارس، الناجمة بدورها عن الائتلاف لحماية الشعب الليبي( مبادرة أطلقتها قطر،و الإمارات العربية ،و الأردن)فتح الباب أمام ذلك التدخل. ان القيام بغرات جوية وعمليات عسكرية مستمرة وواسعة النطاق من قبل الناتو أدى إلى إلحاق خسائر بشرية كبيرة. لذا فان غياب العوامل لأربعة بالتوازن مع بعضها البعض التي نجحت الثورة في تونس ومصر، لم تتوفر في ليبيا، رغم " كسر حاجز الخوف" وهو احد العوامل الأربعة التي تم تحليلها في هذه المقالة ،و بالتالي انعكس غيابها على الحالة الفوضوية التي تشهدها ليبيا اليوم. في الوقت الحالي، لا يزال المجلس الوطني الانتقالي الليبي، الذي أسسته المعارضة الليبية كحكومة انتقالية مؤقتة و الذي أعلن عن الوثيقة الدستورية في أغسطس 2011، بالكاد يمسك بزمام السلطة في البلاد ،بينما يقوم مجلس الوزراء المنتخب من قبل المجلس الانتقالي بتصريف الأعمال اليومية، وهو مسؤول أيضا عن الوضع الأمني في ليبيا .من جهة أخرى،سوف يتم انتخاب مجلس وطني جديد في يونيو 2012 وستوكل إليه مهمة صياغة دستور جديد لليبيا. ونظرا إلى كثرة الأطراف المحلية و الخارجية التي شاركت في إسقاط نظام القذافي، ولا تجاربهم وأهدافهم، لن يكون من السهل إخضاعهم أو جمعهم تحت راية سلطة مركزية واحدة في المستقبل. ولكن ما يمكنه تيسير المرحلة الانتقالية الليبية او تسهيل إدارتها يمكن في توفر فوائض النقد الأجنبي بما يعادل 140الى 160مليار دولار أمريكي .في كل الأحوال ،يمكن مستقبل البلاد في ضرورة إرساء قاعدة من التلاحم والتماسك الوطنيين لتحقيق الوحدة بين مختلف القبائل والعشائر الليبية أو في تمكن التحالفات القبلية و التيارات الدينية (كالتيار السلفي على سبيل المثال) وكذلك الأقليات الاثنية (كالتواريغ والامازيغ) من إثبات رغبتها في تخطي اختلافاتها في سبيل مشروع الدولة الهش و الجديد. وكما أن موضوع الجيش لعب دورا هاما في التأثير في نتائج الثورة ،فانه سينعكس كذلك على المرحلة الانتقالية في ليبيا حيث لا يزال غير واضح عما إذا كانت مختلف المليشيات المسلحة ستنجح في الاندماج والانضمام تحت راية جيش وطني واحد فحسب.
خامسا: البحرين تجربة طائفية في دول الخليج وعاملين من أصل أربعة عوامل واستقرار مؤقت في البحرين، قام أغلبية المواطنين البحرين الفقراء من الطائفة الشيعية، و غير الممثلين سياسيا تمثيلا حقيقا، والذين يعدون مواطنين من الدرجة الثانية ،بالتوجه إلى دوار اللؤلؤة احتجاجا على النظام ذي الأغلبية السنية ،و على الظلم الذي يتعرضون له منذ عقود طويلة، في حين أن مشاركة المواطنين من الطائفية السنية كانت شبه معدومة ،في تلك الانتفاضة .و بعد ان نجح المتظاهرون في قطع الطريق المؤدية إلى وسط المدينة ،التي تشكل المركز التجاري الحيوي، والاقتراب من حي "الرفاعي" حيث تقع قصور عائلة آل خليفة الحاكمة، أطلق عناصر الأمن النار على المتظاهرين. و في بادئ الأمر، اقتصرت مطالب المتظاهرين على طلب إحداث إصلاحات سياسية في البلاد ،بما فيها الانتقال الى نظام ملكي دستوري. ولكن بعد ان شهد المتظاهرون تلك المشاهد الدموية التي تم عرضها مباشرة على التلفاز ،تحول الكثير منهم نحو الدعوة إلى إسقاط النظام، الشعار الذي استخدم بكثافة في الربيع العربي ولذا رغم نجاح المتظاهرين البحرينيين في كسر حاجز الخوف ،لم تكن المشاركة في المظاهرات على نطاق واسع شمل الطوائف الأخرى ،كما لم يكن هناك توافق تام حول طبيعة المطالب التي يدعون إليها .و لكن الجدير بالذكر هو انه عندما هدد الوضع بالخروج عن السيطرة قامت العربية السعودية في إرسال قوات "درع الجزيرة " إلى البحرين في 16 مارس 2011 بذريعة حماية العائلة الملكية. ومع دخول قوات "درع الجزيرة" اكتسب الوضع في البحرين بعدا جديدا كليا ,أولا كون هذا الجيش منحازا حتما لصلح النظام الحاكم .على إثرها دعا ولي عهد البحرين الأمير سليمان بن محمد بن عيسى ال خليفة إلى بدء بحوار وطني. و رغم سكون المظاهرات و خمودها ،إلا أن الوضع في البلاد لم يهدا كليا و لا يزال يشهد اضطرابات متفرقة. و حتى يومنا هذا ،لم تستطع الانتفاضة في البحرين ،البلد الصغير جغرافيا والفقير نسبيا، من حيث احتياطي النفط و العائدات النفطية ،قد حصل أيضا،إلى جانب اليمن وعمان على مساعدات مالية من العربية السعودية و الإمارات العربية المتحدة، منحة بقيمة 20 مليار دولار مدفوعة على مدى عشرة أعوام، وعلى ما يبدو ان القصد من ورائها استرضاء الشعب البحريني. وقد تشكلت مؤخرا في البحرين لجنة مستقلة لتقصي الحقائق ،مؤلفة من مئة بحريني برئاسة علي فخرو وزير الصحة و التعليم السابق ،للتوسط بين النظام الملكي و المعارضة البحرينية.و حتى اليوم لم تحرز هذه الوساطة أي تطورات جديرة بالذكر. و يبدو على الأغلب أن الأحداث الأخيرة في العربية السعودية التي قدمت الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية الحالي ،كمرشح أقوى لولاية العرش ستزيد الوضع تعقيدا وتصعب التوصل إلى تسوية في البحرين.علما انه كلما تأجل إيجاد حل للازمة البحرينية ازداد الوضع سوءا و ازدادت كلفته .و بينما يمكن اللجوء حاليا و مؤقتا إلى تسوية مماثلة لتلك المقترحة في اليمن وإنما موجهة نحو إقامة نظام ملكي دستوري إلا انه من المستبعد ان تكون هذه المبادرة كافية في المستقبل ،خاصة بعد الأخذ بعين الاعتبار التطورات السياسية في العربية السعودية .إذا الاستقرار الحالي غير مستقر في دولة البحرية الصغيرة طالما استمرت المظالم الاجتماعية و السياسية و الفرو قات و التباينات الاقتصادية مع وجود بعد طائفي للازمة. |
| < Prev |
|---|